هي ... مدرستي في المرحلة الإبتدائية، على دفعتنا كانت اللغة الإنجليزية تُدرس منذ الصف الرابع، ولكني بفضل الله قد دخلت المرحلة الإبتدائية وأنا أتقن اللغة الإنجليزية؛ ذلك لدخولي في الروضة قبل الإبتدائية، فكانت بدايتي معها -المرحومة بإذن الله- منذ الصف الرابع وحتى السادس الإبتدائي، حببتني في اللغة الإنجليزية حتى كنت أقول سأصبح مدرسة لغة إنجليزية في المستقبل، بالرغم من قلة إستخدامي للغة الإنجليزية حاليًا؛ فأستخدمها للضروريات فقط؛ لعشقي للعربية الفصحى.
والدها ...معروف في الحي، فلا يدفن شخصٌ في المنطقة إلا ويكون هو أول من يحمله إلى قبره، كان لا يتهاون عن القيام بالواجب عند وفاة أي شخص، رجل كان أو أمرأة، صغيرًا أو كبيرًا، يقوم بجميع ما يجب القيام به من مواساة لأهل المتوفى في الدفن والعزاء وغيرها من الأعمال التي قد لا اعلمها، عرف بحبه لمساعدة الناس، كما عرف بشخصيته الطيبة وسمعته الطيبة في المنطقة.
في أحد الأيام، نُقِلت مدرستي- المرحومة بإذن الله- بقرار نقل من وزارة التربية والتعليم، إلى أحد المدارس النموذجية للبنين، كان هذا القرار صاعقة لنا نحن الطالبات وإدارة المدرسة، وذلك من شدة تعلقنا بها وحبنا لها، وبالفعل رحلت عنا... ولكننا لم نرضى بذالك النقل، وكنا نحاول جاهدًا مع المديرة والإدارة أن تعود لنا، فاكثرنا من الشكاوى، ولم نكن نعلم أنها هي أيضًا كانت ترجوا من الوزارة إرجاعها للمدرسة. مشهدٌ لا أنساه حين كنت فالصف السادس الأبتدائي، كنت أنا ومجموعة من الصديقات نقف أمام باب الفصل؛ بإنتظار المدرسة، و حين رأت عيناي المرحومة تقف بجانب غرفة المدرسات وبجانبها مجموعة من المدرسات يقبلنها ويسلمن عليها، صرخة مني غطت الساحة المدرسية لتعلن عودتها، إلتفتت المدرسات إلي وأنا أركض فرحًا حتى وقعت في أحضانها،و حضنٌ دافيء منها كان كافيًا للتعبير عن الشوق للقائها وعودتها للمدرسة.
ها أنا في أولى صفوف المرحلة الإبتدائية، بعد توديعي للمرحومة على أمل اللقاء بها مجددًا، كنت كالغريبة في أول أيامي من تلك المرحلة، ولم أعتد بعد على أجواء المدرسة بمن فيها، عدا صديقاتي اللاتي رافقنني إلى الإعدادية.
في صباح ذالك اليوم من رمضان... أشرقت الشمس و بإشراقتها أزداد حيوية لأستقبل يومي الدراسي..
حان وقت وصول الباص، وها هو صوته خارج المنزل..
حملت حقيبتي وخرجت مسرعة لركوب الباص.. وإبتسامة صباح جميل على محيياي..
أتجهت إلى حيث أجلس.. مكاني المفضل بجانب النافذة ..
جلست على الكرسي.. وتحيات الصباح أرسلها لمن هم حولي..
تناديني من خلفي صديقة.. أوتعرفين ما حصل!
ألتفت إليها بفضول كعادتي لمعرفة ما حصل ..
بالظبط قالتها هكذا" أبله إبتسام ماتت " !!
علامة تعجب كبيرة على وجهي .. وإبتسامة مترددة..وهكذا كان الحوار
- عن العبط من صباح الله خير..
- والله اقولج صج ماتت
- شدراج انتي من قالج!
- ابوي قالي إنه الإمام في صلاة الفجر قال اليوم بيصلون عليها العصر
قلتها محاولة تكذيب ما أسمع: لاء أكيد انتي غلطانة
- والله العظيم ابوي قال بنت صقر
أوشحت برأسي عنها، محاولة تجاهل ما قالت، بعد أن كذبتها ..
- كيفج والله انا قلت لج ..
وصلت إلى المدرسة، وأنا لا زلت تحت تأثير الصدمة مما سمعت، فكلاهما قلبي وعقلي رفضا تصديق الحقيقة..
تزداد الصدمة أكثرًا فأكثر، بعدما إنهالت علي الصديقات لتبليغي الخبر..
وأنا كمن تتمنى أن تُشق الرض وتبلعها..أحاول تجاهلهن والتصدي لتلك الكلمة التي غزت تفكيري "ماتت ..ماتت .. ماتت....
جلست على عتبة باب الفصل وأنا أشعر بالوحدة ..
وكأنني في عالمٍ آخر ..أسمع أصوات من حولي ولكني لا أكاد أراهم..
لم أكن أرى أي شيء أمامي ..فكنت في حالة أشبهها بـ " غيبوبة الصدمة"
و بعد أن رجعت إلى المنزل بدأت بالسؤال عن الموضوع!! وأنا أبحث عن من يجيبني بأن ذالك لم يحصل!
بدأت لي أول التأكيدات من والدي " رحمها الله بنت صقر "
أنا !!!؟ كيف ومتى حصل ذالك..
بحثت كثيرًا وراء وفاتها ..فكيف رحلت وتركتني ..
حالة من اللاوعي تكبلتني مدةً من الزمن ..
وأنا انظر إلى ضوء القمر ..وأراها في نورِه..
رحمها الله وجمعني بها في جناته ، آمين ...
حادثة وفاتها...مؤلمة جدًا.. فلا أستطيع تخيل موقف والدها حتى الآن!! كانت كما رويت لي كالتالي ..
خرجت كعادتها بعد أن أفطرت، لتمارس رياضة المشي بالقرب من منزلها...
والدها عائدٌ من المسجد وفي الطريق يرى أمرأةً واقعةً على الأرض.. على حافة الشارع!
غطاها فورًا ببشته دون أن يراها ..فأراد لها الستر
سارع بالذهاب إلى المنزل حيث كان بالقرب منه..
وفور دخوله..أنتبه!! كمن أيقظه من نومه...
سأل من في البيت..أينها ؟ ألم تعد بعد ؟
عندها حلت الحقيقة المُرة عليه..وعلِم أنها فلِذةُ كبده..
توفيت بعد أن صدمتها حافلة كما قد قالوا ..
ورحلت عن هذه الدنيا .. وتركت خلفها أحبة يدعون لها بالمغفرة والرحمة ..
عشرُ سنوات مرت على فقدانها ..وأنا أتوق للحاق بها وصحبتها في جنات الخلد ..
يارب اسألك أن ترزقني الجنة وتجمعني بأحبتي حيث الخلود ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق